فخر الدين الرازي
154
تفسير الرازي
الأسباب الخاصة فقط علمنا أن إفادتها للعموم لا يكون قوياً والله أعلم . أما الذين قطعوا بنفي العقاب عن أهل الكبائر فقد احتجوا بوجوه . الأول : قوله تعالى : * ( إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) * ( النحل : 27 ) وقوله تعالى : * ( إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى ) * ( طه : 48 ) دلت هذه الآية على أن ماهية الخزي والسوء والعذاب مختصة بالكافر ، فوجب أن لا يحصل فرد من أفراد هذه الماهية لأحد سوى الكافرين . الثاني : قوله تعالى : * ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ) * ( الزمر : 53 ) ، حكم تعالى بأنه يغفر كل الذنوب ولم يعتبر التوبة ولا غيرها ، وهذا يفيد القطع بغفران كل الذنوب . الثالث : قوله تعالى : * ( وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) * ( الرعد : 6 ) وكلمة " على " تفيد الحال كقولك : رأيت الملك على أكله ، أي رأيته حال اشتغاله بالأكل ، فكذا ههنا وجب أن يغفر لهم الله حال اشتغالهم بالظلم وحال الاشتغال بالظلم يستحيل حصول التوبة منهم ، فعلمنا أنه يحصل الغفران بدون التوبة ومقتضى هذه الآية أن يغفر للكافر لقوله تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) إلا أنه ترك العمل به هناك فبقي معمولاً به في الباقي . والفرق أن الكفر أعظم حالاً من المعصية . الرابع : قوله تعالى : * ( فأنذرتكم ناراً تلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى ) * ( الليل : 14 - 16 ) ، وكل نار فإنها متلظية لا محالة ، فكأنه تعالى قال إن النار لا يصلاها إلا الأشقى الذي هو المكذب المتولي . الخامس : قوله تعالى : * ( كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير ، فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير ) * ( الملك : 8 ، 9 ) ، دلت الآية على أن جميع أهل النار مكذب لا يقال هذه الآية خاصة في الكفار ، ألا ترى أنه يقول قبله : * ( وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير ، إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقاً وهي تفور ، تكاد تميز من الغيظ ) * . وهذا يدل على أنها مخصوصة في بعض الكفار وهم الذين قالوا : * ( بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء ) * ( الملك : 6 - 9 ) ، وليس هذا من قول جميع الكفار لأنا نقول : دلالة ما قبل هذه الآية على الكفار لا تمنع من عموم ما بعدها . أما قوله : إن هذا ليس من قول الكفار قلنا : لا نسلم ، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون : ما نزل الله من شيء على محمد ، وإذا كان كذلك فقد صدق عليهم أنهم كانوا يقولون ما نزل الله من شيء . السادس : قوله تعالى : * ( وهل يجازي إلا الكفور ) * ( سبأ : 17 ) وهذا بناء المبالغة فوجب أن يختص بالكفر الأصلي . السابع : أنه تعالى بعدما أخبر أن الناس صنفان : بيض الوجوه وسودهم قال : * ( فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب ) * ( آل عمران : 106 ) فذكر أنهم الكفار . والثامن : أنه تعالى بعدما جعل الناس ثلاثة أصناف ، السابقون وأصحاب الميمنة ، وأصحاب المشأمة ، بين أن السابقين وأصحاب الميمنة في الجنة وأصحاب المشأمة في النار ، ثم بين أنهم كفار بقوله : * ( وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون ) * ( الواقعة : 47 ) . التاسع : إن صاحب الكبيرة لا يخزى وكل من أدخل النار فإنه يخزى فإذن صاحب الكبيرة لا يدخل النار وإنما قلنا إن صاحب الكبيرة